المقدمات   في طلب العلم 

 

المقدمات   في طلب العلم 

هذه المذكرة   مسودة   كتبتها  ليتعرف  من خلالها  طلابُ  العلم  على الأمور اللازمة  لطلب العلم الشرعي، ولم يكن قصدي منها أن تكون تأليفاً، ومع ذلك أحببت  أن ينشرها بين الناس على حالها لمن أراد أن يستفيد منها. 

كتبها الدكتور / عمر إيمان أبو بكر

1443هـ 2022م

.

.

.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالين. وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه وسلم أما بعد.

فهذه المقدمات التي أوردناها بين يدي الكلمة الثانية المتعلقة بكيفية تحصيل العلم الشرعي قصدنا بها إحاطة الطالب بأهمية ما يطلبه، ويسعى إلى تحصيله، وتعريفه بما يتطلب ذلك حتى يكون على علم بذلك قبل الشروع فيه، ويأتي في مقدمة ذلك.

الاستشارة

المشورة مطلوبة في كل شيء من حياة المسلم، وقد ندب الله إليها في كتابه، وأمر بها رسولُه في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر): وهي سمة بارزة في المسلمين، وقد أثنى الله عليهم بذلك في قوله: (وأمرهم شورى بينهم) وهكذا جاءت الشورى مطلقة في الكتاب دون تقييدها بموضوع معين، ولا بظرف خاص، وقد طبقها رسولُ الله في أحواله، ووقائعه ليقتدي به مَن بعده من الأئمة، لأن المشورة إما أن تدل على عيب خفي، أو تنبه على فضيلة مستورة.

وليست الشورى خاصة بالشؤون الحربية، أو السياسة كما يظنها بعضهم، بل تدخل في كل شيء، ولا يستغني عنها أحد، ولو كان هناك أحد يستغني عن المشورة لكان أولى الناس بذلك هو رسول الله r، لأنه مؤيد بالوحي معصوم من الخطأ.  ومع ذلك فلم يكن أحد أكثر مشورة منه r لأهمية الشورى.

وهذه الأمور الدنيوية مع حقارتها لا يقدم المرء عليها قبل المشاورة فيها لهذا فقد وُضعت مراكز استشارية، مهمتها إبداء الرأي، والمشورة، وتتقاضى مقابل ذلك مبالغ هائلة، فإذا كان هذا شأن الدنيا، فالمشورة في العلم أولى وأهم من المشورة في الأمور الدنيوية.

فأول بوابة في طلب العلم هو الاستشارة، فأحوج ما يكون طالب العلم إليها، وهو في بداية الطلب الاستشارة، وإبداء النصح له في طريقة طلب العلم، فغاية العلم شريفة، ولتحقق تلك الغاية لا بد من توضيح الوسائل، وتسهيل الطرق قبل الشروع فيه، لأن الطالب من دون مشاورة قد يخطئ الطريق في طلب العلم، فيكون ذلك سببا لفشله في الوصول إلى هدفه، وقد شاهدنا بأم أعيينا كثيراً من الطلبة قد أخفقوا في طلب العلم لعدم التوجيه والإرشاد لهم، فقد ينتظم الطالب مع الشيخ في الدروس المتقدمة في الفن دون المرور بمقدماته، أو يحضر لجميع الدروس في كل أوقاته دون تمييز بين الفنون، وهذا أحد أسباب الفشل في طلب العلم، قال يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: «يا يونس لا تكابر هذا العلم، فإنما هو أو دية، فأيها أخذت فيه قبل أن تبلغه قطع بك، ولكن خذه مع الليالي والأيام»([1]).

وقد يبدأ الطالب بالصعب من العلوم كأصول الفقه، أو يهتم بالأصلين من الكتاب والسنة دون المرور على علوم الآلة التي هي مفتاح العلوم، أو يعتكف على علوم الآلة، فيجعلها وهي الوسيلة غاية لذاتها كما يفعله بعض الطلبة، فإذا وقع الطالب في مثل هذا الخلط يكون بين خيارين: فإما أن يعود إلى  الوراء، بوضع طريقته السابقة جانباً، ثم يرتب أوراقه من جديد، فيبدأ من الصفر، ويكون بذلك قد خسر وقتا ثمينا، وأضاع جهداً، وهذا أفضل الخيارين،  وإما أن ينسحب، وينصرف عن طلب العلم لصعوبة البدء من الصفر على النفس، وهذا كثير الوقوع في طلبة العلم الجدد، وتفادياً عن ذلك الخلل في طلب العلم واختصاراً للطرق، وحفاظاً على الوقت والجهد يأتي دور المشورة لطالب العلم في سُلَّم الأولويات

 وهو أن تكون هناك جهة مُوجِّهة له تدل على أحسن الطرق في طلب العلم حتى لا يضيع الوقت منه سُدى، وتلك الجهة قد تكون مركزا يُعنى بدراسة أحوال الطلبة وحاجة البلد، أو لجنة في كل منطقة تَعتَنِي بالطالب أول قدومه، فإن لم يكن هذا ولا ذاك، فشيوخ العلم الذي يتصدرون لتدريس العلم في الحلقات يقومون بهذا الدور لأن عندهم من الخبرة والمعرفة ما ليس لدى الطالب الجديد.

ودور الشيخ يقتصر على إبداء النصح للطلاب الذين ينتظمون معه في دروسه، فلا يسمح للطالب الجديد أن ينتظم معه في دروسه قبل الجلوس معه ليسأله عن أحواله، وعن منطقته، ونوع الحاجة فيها، ثم يسأله عما عنده من مقدمات العلوم إن كان سبَق له أن أخذ شيئاً من العلم قبل مجيئه هنا، وعلى ضوء ذلك تحديد مستواه ومن ثَمَّ وضعُه مع المجموعة التي تتناسب معه في مستواه، ولهذا أستطيع أن أقول: إن من يطلب العلم دون استشارة كمن يجاهد العدو من غير سلاح.

فإذا لم يسبق للطالب دارسة شيء من العلوم يبين له الشيخ الطريقة المثلى في بداية طلب العلم، وأن العلم لا يأتي له دفعة واحدة، فلا بد من التدرُّج فيه شيئاً، فشياً، فيبدأ من الأسهل إلى الأصعب، ومن المختصر إلى المطول، فإن لم يكن لدى الشيخ من العلم ما يناسب هذا الطالب الجديد، فليدله على غيره من المشايخ ممن لديه ما يحقق رغبة ذلك الطالب، وهذا من النصيحة في الدين، ولا يحاول أن يصرف الطلبة عن العلوم الأخرى التي ليست لديه ليبقوا معه وقت الطلب كله كما لا ينبغي أن يتظاهر أنه يعرف كل شيء، بل الواجب عليه إذا درَّس الطلبةَ ما لديه من العلوم أرشدهم إلى غيره من المشايخ الآخرين ممن عندهم من العلوم ما ليس عنده، فهذا مع كونه من التواضع المطلوب تكبر مكانته عند طلبته.

المقدمات في طلب العلم

المقدمة الأولى: إخلاص النية في طلب العلم وتصحيحها قبل الشروع فيه بأن لا يقصد بتعلم العلم غير وجه الله، ثم رفع الجهل عن نفسه، ونفع المسلمين بتبليغه، وفي الكتاب العزيز قوله تعالى: (فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص) والعمل الخالص هو الذي لا يكون لغير الله فيه نصيب، وفي الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته، وشركه»([2]).

لأن العلم عبادة وقربة إلى الله، فلا يصح صرفه لغير الله، ومن فعل ذلك فقد وقع في الشرك، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: « من تعلَّم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضَاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة»([3]) يعني ريحها.

فالنية هي الأساس لكل الأعمال، وبدونها لا يكون للعمل أيُّ قيمة، والنية محلها القلب، والقلب محل نظر الله من العبد، قال r: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصابعه إلى صدره »([4]).  فعمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية.

قال الغزالي: «قد أبان هذا الحديث أن محل القلب موضع الرب، فيا عجباً ممن يهتم بوجهه الذي هو نظر الخلق، فيغسله، وينظفه من القذر والدنس، ويزينه بما أمكن لئلا يطلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتم بقبله الذي محل نظر الخالق، فيطهره، ويزينه لئلا يطلع ربُّه على دنس، أو غيره فيه»([5]).

وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب t قال: سمعت رسول الله r يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ….» الحديث.

قال ابن القيم في هذا الحديث: «فأخبر أن الأعمال تابعةٌ لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه،وأبطنه لا ما أعلنه، وأظهره»([6]).

وقد يُغتفر للإنسان ما قد يعرض له من العُجب والرياء أثناء العمل ما دامت النية كانت خالصة لوجه الله عند ابتداء العمل، قال ابن حجر العسقلاني نقلاً عن ابن جرير الطبري فيما نقله عن جمهور السلف: «أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤُه لله خالصاً لم يَضُرَّه ما عَرَض له بعد ذلك من إعجاب وغيره»([7]).

ملحوظة: ولو أُعدت مذكرة لطيفة في هذا الخصوص كان أفضل حتى تكون تذكرة للطالب في أول طلبه للعلم.

المقدمة الثانية: مكانة العلم وبيان فضله

القصد من هذه المقدمة تعريفُ الطالب بمكانة العلم، وأن ذلك يُعَدُّ حافزاً قوياً له في تحمُّل مشاق العلم، وتحصيله، فإنه كلَّما تعب الطالب من متابعة العلم تذكَّر ما للعلم من المكانة عند الله، فيحمله ذلك على مضاعفة الجهد، ومواصلة المسيرة فيه، وقد ورد في فضل العلم نصوصٌ كثيرة في كتاب الله، وسنة رسول الله، ومن ذلك ما رواه أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله r يقول: « من سلك طريقاً يَطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً بما يطلب، وإن العالِم ليستغفرُ له مَن في السموات ومَن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُؤرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظ وافر »([8]).

وعلى الشيخ ترغيبُ طلابِه في العلم والصبر عليه لا يمل من تكرار ذلك في كل الدروس حتى يكون ذلك بمثابة زاد يتزودون منه في تحصيل العلم والصبر  قال النووي: «وينبغي أن يرغبه في العلم، ويذكره بفضائله، وفضائل العلماء، وأنهم ورثة العلماء، ولا رتبة في الوجود أعلى من هذه، ففي الصحيحين « لا يحب أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([9]).

فالعبد إن أدى حق الله في العلم من العمل به ازداد به رفعة في الدنيا، ودرجة في الآخرة، قال الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }[ المجادلة11]. قال الشاعر:

العلم أنفسُ شيءٍ أنت داخره .. من يَدْرُسِ العلمَ لم تَدرُس مفاخرُه

فالخير كله في معرفة الله وعبادته بما شرعه، وليس هناك من طريق إليهما إلا من خلال تعلُّم العلم الشرعي، والعمل به، وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان: قال: قال r:(من يُردِ الله به خيراً يفقه في الدين). قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [28]}.

ويمكن إيجاد مقدمة في فضل العلم من خلال استقطاع باب فضل العلم من صحيح البخاري، ولو قُرئ على الطالب كتابُ العلم كله من صحيح البخاري كان أنفع، وأجمعُ كتاب في هذا الباب ( جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر الأندلسي، ولكنه لا يناسب الطالب المبتدئ لكبر حجمه نسبياً.

.

.

المقدمة الثالثة: بذل الجهد في تعلم العلم وتحصيله

كل الناس يحبون أن يكونوا من أهل العلم لما للعلم من الفضل والمكانة، لهذا قال علي بن أبي طالب t « كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه »([10]).

والناس يتفاوتون في طلب العلم بالعزيمة، وبذل الجهد في طلبه، وتحصيله، وطلبُ العلم شاق على النفس، ولهذا قال كليم الله موسى ـ عليه السلام ـ في طلب العلم:    ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا)، وينبغي لطالب العلم أن يعلم قبل الشروع في طلب العلم ما هو المطلوب منه لتحصيل العلم حتى لا يتفاجأ في أثناء الطلب ما لم يكن بحسبانه، وتلك المطلوبات جمعها الإمام الشافعي في بيت واحد ليكون ذلك في متناول كل طالب علم شرعي،  فقال رحمه الله:

(أخي لن تنال العلمَ إلا بستة … سأنبيك عنها ببيانِ

ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةٌ … وصحبةُ أستاذٍ وطولُ زمانِ)

شرح هذه الخصال الستة المجموعة في البيت الأخير:

الخصلة الأولى: ـ  الذكاء والمراد به قوة الذاكرة مع الفهم، وهذه موهبة من الله، ولكن بإمكان العبد أن يجتهد في تنمية ذكائه وتقوية ذاكرته بكثرة المذاكرة، وتمرينها على تفهم الصعاب من المسائل، والإكثار من محفوظات العلم، فالذي يتعلم العلوم الشرعية يُضيف عقول العلماء إلى عقله، وعلمَهم إلى علمه، فيزداد به ذكاءً وفهماً، وهو أمر معروف.

الخصلة الثانية والثالثة: ـ الاجتهاد في تحصيل العلم والحرص على طلبه في مظانه، والتفرغ له، والانقطاع إليه، والبعد عن الأهل، والأصحاب من أجله، والعكوف عليه تلقياً وتلقيناً، وتفهماً وتفهيماً، وصرف كل الاهتمام إليه والإكثار من مراجعته، والجلوس مع أهله في المدارسة معهم، والمناظرة، والمناقشة معهم حتى تصقل موهبته بذلك.

وعن ابن عباس قال: وجدتُ عامةَ علمِ رسول الله r عند هذا الحيِّ من الأنصار إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئتُ أن يؤذن لي عليه لأذن لي عليه، ولكن أبتغي بذاك طيب نفسه»([11]).

قال الإمام الشافعي: «فحق على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كلِّ عارضٍ دون طلبه، وإخلاصِ النية لله في استدراك علمه نصاً، واستنباطاً، والرغبةُ إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرك خير إلا بعونه، فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفتْ عنه الرِّيَب، ونَوَّرتْ في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضع الإمامة»([12][13]). قال الشاعر:

بقد الكدِّ تَكتسب المعالي … ومَن طلب العُلا سهر الليالي

ومَن رام العلا من غير كدٍّ … أضاع العمر في طلب المحال

ترومُ العزَّ ثم تنام ليلاً … يغوض البحر مَن طلب الليالي

الخصلة الرابعة: البُلغَة: والمراد بها النفقة التي يستعين بها على تحصيل العلم، وهذه عنصر مهم لطالب العلم حتى يتفرغ للعلم، ويرتاح من هم الأكل والشرب في وقت الطلب، ولا يعرف أهمية البُلغة لطلب العلم إلا من كابدها، وطلابُ العلم في الصومال كانوا يقاسون الأمرين في هذا الموضوع، إذلم تجر العادة لدى الصوماليين أن يُزوِّدُوا أبناءهم بما يلزم من النفقة في طلب العلم الشرعي ، ولو كانوا أغنياء، فيقول الأب لابنه: اذهب وحيداً، واطلب العلم كما طلبه غيرك من غير زاد، لهذا كان طلاب العلم الشرعي يعيشون حالة من الضنك والجوع، حتى تلجئهم الظروف في بعض المناطق إلى التسول ليلاً لإنقاذ أنفسهم من الهلاك، والفقرُ يكاد يكون السمة الغالبة في طلاب العلم الشرعي عبر الأزمنة.

قال الشافعي: «لا يطلب أحد هذا العلم بالمُلك، وعِزِّ النفس، فيفلح، ولكن من طلَبه بذل النفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء أفلح»([14]).

وقال أبو هريرة: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله r بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون»([15]).

ولهذا كان أبو هريرة t من أحرص الناس على التحديث في كل المناسبات أداء للأمانة وتبليغاً للعلم الذي تحمله عن رسول الله r حتى ملَّ بعضهم من ذلك، فقالوا: لقد أكثر علينا أبو هريرة t فقال قولته المشهورة: «والله لأرمين بها بين أكتافكم».

 قال الإمام الشافعي: «كنت يتيما في حجر أمي، فدفعتني في الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة، فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني اشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظما يلوح آخذه، فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديما»([16]).

 أما الطلاب في الدراسة النظامية في المدارس والجامعات فالآباء يزوِّدونهم فيها بكل ما يلزم من نفقة، وسكن، ورسوم مواصلات حتى يعيش الطالب على أحسن حال، بل يرسلونه إلى الخارج لتقلي العلوم المدنية في الجامعات الراقية مهما كلفه ذلك من مال.

 والسبب في تلك التفرقة أن الأب ينتظر من ابنه في التعليم النظامي أن يكون له مستقبل باهر، ينتفع به مستقبلا، فيستثمره في التعليم لأن المردود المرجو منه يكون أكبر في القريب العاجل، أما الطالب في العلوم الشرعية  فليس هناك ما ينتظر منه بل هو سيكون في نظر العالة عالة على الأسرة حتى بعد الانتهاء من تعلُّم العلم الشرعي.

الخصلة الخامسة: صحبة أستاذ

 فالمراد بها الشيخ الذي يقوم بتدريس العلم، فلا بد للعلم من شيخ يدرسه لك إذ ليس من الممكن أن يُعَلِّم الإنسانُ نفسه بنفسه لا سيما في بداية الطلب، فالطالب يعتمد بعد الله على الشيخ في كل صغيرة وكبيرة من العلم، فيَتلقَّن بمايُلَقن له، وكلما كان الأستاذ متمكناً من المادة التي يقوم بتدريسها كان الانتفاع بدروسه أنفع، وهذا ما جعل طلاب العلم الشرعي عبر العصور يقطعون آلاف الأميال من أجل أخذ العلم عن الشيوخ البارزين فيه، فليس هناك من وسيلة تعدل الجلوس أمام الشيخ، وأخذ العلم عنه مشافهة، وأما ما عدا ذلك من الوسائل، فلا تقوم مقامها كالمطالعة على العلم في الكتب، أو الاستماع إليه من الشريط، أو الأخذ عن الشيخ عبر الشاشات المختلفة.

قال الشاطبي: «لا بد من أخذ العلم عن أهله بالمشافهة، وهي أنفع الطريقين، وأسلمهما لوجهين: الأول: خاصيةٌ جعلها الله بين المعلم والمتعلم، يشهدها كلُّ من زاول العلم والعلماء، فكم من مسالة يقرأها المتعلم في كتاب، ويحفظها، ويرددها على قلبه فلا يفهما، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح إشكال لم يخضر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير عادي، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى  ما يلقى إليه»([17]).

فإذا أخذ الطالب من الشيخ ما لديه من العلوم تحول إلى غيره من المشايخ فلكل شيخٍ طريقتُه في تدريس العلم، وتفهيمه، فقد يتبين للطالب كثير من أخطاء شيخه الأول، قال أيوب السختياني: «إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره»([18]).

الخصلة السادسة: طول زمان:

والمراد بطول الزمان أن يُخصِّص الطالب للعلم من الوقت ما يكفيه لتحصيله، وليس للعلم وقتٌ ينتهي عنده، بل هو من المهد إلى اللحد، قال النووي في مقدمة المنهاج: « أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات».

ومن لوازم ذلك أن يتفرغ  الطالب من الشواغل كالتجارة، والزواج، والوظيفة وغير ذلك من العوائق عن تحصيل العلم، قال الخطيب البغدادي: « المستحب لطالب الحديث أن يكون عزبا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة، والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم »([19]).

تنبيه: وهناك أمور أخرى لا غنى لطالب العلم من الاهتمام بها لاستبقاء العلم الذي تحصل عليه، وهي من مكملات ما ذكره الإمام الشافعي، وهي على النحو التالي:

1= كتابة العلم وتقييده خوف ضياعه، فإن الحفظ خوَّانٌ، وقد يَعرض للإنسان أمور من مرض وخِرَف تُنسيه ما قد حفظه، فينبغي لطالب العلم أن يستودع محفوظاته في كتابه، وبذلك يكون الطالب في أمان من ضياع ما تعب في تحصيله من العلم، وكتابةُ العلم هي الطريق الوحيد لمن لم يكن لديه موهبة في حفظ العلم.

علما بأن كتابة العلم دأب الحريصين عليه لأنها عون على الحفظ، فتكرار قراءة المكتوب تثبيتٌ لحفظه، كما أنها الطريق الوحيد لاستعادة ما ضاع من المحفوظ قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله r أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلَّ شيء تسمعه من رسول الله r، ورسولُ الله r بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله r فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: أكتب، فو الذي نفسي بيده ما يَخرُج منه إلا حق »([20]).

وقد شهد لعبد الله بن عمرو بذلك أبو هريرة t: فقال: «ما من أصحاب رسول الله r أحدٌ أكثرٌ حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب»([21]).

والكتابة هي البديل الوحيد لمن ليس عنده قدرة على الحفظ، ولهذا لما خطب النبي r في مكة خطبته المشهورة التي استمرت لوقت طويل، وتناول فيها جوانب كثيرة من أصول الدين، وفروعه قام رجل، يقال له أبو شاه من أهل اليمن، وقدخاف أن يَتفلَّت كثيرٌ منها فقال: «اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله:«اكتبوا لأبي شاه»([22]). قال الراوي للأوزاعي ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله، قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله. قال الشاعر:

العلم صيدٌ والكتابةُ قيدُه … قيِّد صيودَك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالةً … وتتركها بين الخلائق طالقَه

2ـ مذاكرة العلم ومدارسه مع الآخرين

حياة العلم مذاكرته مع أهله، ومدارسته مع الآخرين، فذاك مما يُثبِّتُ العلم في القلب، ويُرسِّخه في الذاكرة، ويذكِّره بما نسي، ويُنبِّهُه على موضع الخلل فيما عنده.

وكان من عاداتنا في الصومال في مذاكرة العلم في نظام حلقات المسجد أننا إذا انتظمنا مع الشيخ في درس من الدروس، فإذا فرغ الشيخ من الدرس الأول ذهبنا ـ ونحن عشرة أو أكثر مثلاً ـ إلى زاوية من زوايا المسجد، فأفضلُنا فهماً يُعيد لنا الدرس من أوله إلى آخره، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يأتي الدور على آخرنا، والجميع يستمع إليه، وبذلك نكون قد كرَّرنا الدرس الواحد عدة مرات على عدد الطلاب، ثم نتفرق، فيجلس كل واحد لحاله، فيعيد الدرس مع نفسه مرات عديدة، ونفعل بالدرس الثاني ما فعلناه في الدرس الأول، وهكذا إلى نهاية الكتاب، ثم إذا جاءت نهاية العطلة الأسبوعية، وهي عادة يوم الخميس والجمعة، فالطالب يراجع الكتاب الذي يجري دراسته من أوله إلى آخر درسٍ توقف الشيخ عنده، وهذه تسمى المراجعة الأسبوعية.

ولأهمية المذاكرة قد أوصى كثيرٌ من السلف بمراجعة العلم ومذاكرته، فقد أسند الرامهرزي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:«تذاكروا الحديث لا يتفلت منكم أنه ليس منزلة القرآن محفوظ مجموع»([23]).كذلك أسند الخطيب البغدادي بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال: تحدثوا، فإن الحديث يُهيِّج الحديث، وفي رواية « تذاكروا فإن الحديث يُذكِّر الحديثَ »([24]).

3 ـ تدريس العلم وتعليمه

وأكبر مساعد في استبقاء العلم بعد العمل به تدريسُه لمن يحتاجه إليه من طلبة العلم، وقد عُلم بالتجربة أن أي كتاب لم تُدرِّسه لغيرك، لم تفهمه حق فهمه، والسبب في ذلك أن الإنسان حين يراجع الكتاب مع نفسه يمر عليه سريعاً، ولا يدقق الألفاظ مع دلالاتها لكن حين يراجعه لأجل تدريسه فإنه يعده إعداداً جيداً، بحيث يقف مع كل لفظة من ألفاظ الكتاب ليستكشف ما قد يرد عليها من الإشكالات، ولهذا فالمدرس للكتب يزداد علمُه يوماً بعد يوم حتى يصير مع مرور الزمن عالماً لما في بطون تلك الكتب يستظهرها عن ظهر قلب لأنها انطبعت بذاكرته لإعادتها في كل درس، روى الخطيب البغدادي بسنده عن إبراهيم النخعي قال: «من سرَّه أن يحفظ الحديث، فليحدث به، ولو أن يُحدِّث به من لا يشتهيه، فإنه إن فعل ذلك كان كالكتاب في صدره» ([25]).

وقد كان ابن شهاب الزهري يسمع العلم من عروة وغيره، فيأتي إلى جارية له، وهي نائمة، فيوقظها، فيقول: اسمعي، حدثني فلان ٌكذا، وفلانٌ كذا، فتقول: ما لي وما لهذا الحديث، فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن، فأردتُ أن أستذكره »([26]).

للعلم لذة لا يعدلها لذة أخرى إذا فتح على الطالب

إذا فُتِح على الإنسان العلم انكب عليه، وانقطع إليه، وآثره على ما سواه، فلا يجد لذة في غيره لهذا: قيل منهومان: (لا تنقضي نهمتهما، طالبُ علم، وطالب دنيا) فكما أنه لا يوجد أحد من أهل الدنيا يقول: إنني تحصلت من الدنيا على ما فيه الكفاية، وأتوقف عن السعي فيها، فكذلك صاحب علم، فكلما تحصَّل على شيء من العلوم قاده إلى الاستزادة منه، قيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم، فقال: إلى الممات إن شاء الله.

قال الزمخشري صاحب الكشاف في لذة العلم

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي … من وصل غانية وطيب عناق

وتمايلي طرباّ لحلِّ عويصة … أشهى وأحلى من مَدامة ساقي

يا من يُحاول بالأماني رُتبتي … كم بين مُستَفلٍ وآخر راقي

أأبيت سهرانَ الدُّجى وتبيتَه … نوماً وتبغِي بعد ذلك لحاقي

الرحلة في طلب العلم

 رحل في طلب العلم غيرُ واحدٍ من أصحاب رسول الله r من أجل حديث واحد من المدينة إلى الشام، أو إلى مصر، وأما الذين رحلوا من جميع البلدان إلى مدينة رسول الله r التي هي مهبط الوحي وموطن العلم، فلا يُحصون عدداً

وفي صحيح البخاري بسنده عن صالح بن صالح الهمداني قال: حدثني أبو بردة عن أبيه قال: قال رسول الله r « أيما رجل كانت عنده وليدةٌ، فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها، وتزوجها، فله أجران … الحديث». ثم قال الشعبي: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة ([27]).

والشعبي في ذلك الوقت هو في الكوفة، فقد كان الرجل منهم يرحل إلى المدينة فيما هو أقل من هذا الحديث، فكأن الشعبي يغتبط هذا الرجل على ما حصل له من الحديث دون تعب.

المقدمة الثالثة: مسؤولية حامل العلم تجاه العلم

وهذه المقدمة أهمها لطلب العلم من غيرها، فثمرة طلب العلم وغايته تكمُن في العمل به، فالعلم وسيلة إلى العمل به، وليس هو بغاية لدليل أن صاحبه لا ينتفع به إلا إذا كان مقروناً بالعمل، قال الشاطبي:«العلم الذي هو العلم المعتبر شرعاً ـ أعني الذي مدحَ اللهُ ورسولُه r أهلَه على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يُخلِّى صاحبَه جارياً مع هواه كيفما كان، بل هو المُقيِّد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعاً، أوكرهاً»([28]).

وإذا عمل العالم بعلمه كان مدعاة لقبول دعوته قبل قوله، والاقتداء بفعله، وخير شاهد على ذلك ما فعله نبي الله شعيب ـ عليه السلام ـ مع حيث تلطف معهم في الخطاب مطمئناً لهم بأن دعوته في ترك ما نهاهم عنه ليس المقصود منه حرمانَهم من التمتع بملذاتهم وحدهم دون غيرهم بل يكون ـ وهو النبي المرسل إليهم ـ أول الممتثلين بترك ما ينهاهم عنه، فقال لهم فيما حكى الله عنه: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }.

وقبيح بصاحب العلم أن يأمر الناس بشيء لا يأتمر به هو، ويدعوهم إلى شيء لا يأتي به، وفي صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله r يقول:«يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ»([29]).

قال الشاعر: قيل هو أبو الأسود الدؤلي:

( يا أيها الرجل المعلِّمُ غيرَهُ … هلا لنفسك كان ذا التعليمُ)

تصفُ الدواءَ لذي السقام وذي الضنى … كيما يصح به وأنت به سقيمُ

ونراك تُصلح بالرشاد عقولَنا… أبداً وأنت من الرشاد عديمُ

فأبدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهنا يُقبل ما تقول ويُهتدى … بالقول منك ونيفع التعليمُ

لا تنه عن خلق وتأتيَ مثلَه … عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ )

عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه

إن لم يعمل العالم بعلمه فأول عقوبة تحل به أن يرتحل العلم من قلبه، إذ كيف للعلم أن يقر في قلب إنسان، كل تصرفاته تتناقض مع مقتضى العلم الشرعي، فيصير بعد العلم جاهلاً، فالعلم يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتجل، فكما أن المعاصي سبب لحرمان المرء من الانتفاع من ثمرات علمه كذلك هي مانعة من دخول العلم إلى قلب العاصي قال الشافعي:  شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي

  وأخبرني بأن العلم نور … ونور الله لا يهدى لعاص.

فالعالم الذي لا يعمل بعلمه هو أول مَن يُسعَّر به في نار جهنم يوم القيامة عياذاً بالله. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة t: «إن أول الناس يقضى يوم  القيامة عليه ثلاثة … ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ، وعلَّمتُه، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم، ليقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار»([30]).

وقد قصَّ الله علينا في كتابه قصةَ رجلٍ ـ يسميه المفسرون (بلعم بن باعورا) ـ من بني إسرائيل آتاه الله علماً، لكنه لم يؤدِّ حق العلم عليه، فعاقبه الله بأن جعله في الحضيض بعد الرفعة، ووصفه بأقبح صفة يسمعها الإنسان في حياته، فلنستمع إلى قصته في كتاب الله قال تعالى في سورة الأعراف: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}.

والقصد من إيراد تلك القصة في كتاب الله، هو أخذ العبرة والعظة منها حتى لا يقع العالم في مثل ما وقع  فيه ذلك الرجل.قال ابن كثير: « يقول تعالى: ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شُبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة، أو شهوة، فمن خرج عن حيِّز العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه صار شبيهاً بالكلب، وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله r قال: ليس لنا مثل السوء، العائدُ في هبته كالكلب يعود في قيئه»([31]).

فإذا كان هذا مصير العالم الذي ترك العمل بعلمه، فكيف الجاهل الذي لم يرفع رأسه للعمل، فيتخبط في تصرفاته، فالجاهل آثم في كل الأوقات أصاب الحق أم أخطأ، لأن أعماله كلها تقع من غير هدي من الله، فيكون قد تعاطى ما لا يُحسنه، وقد قيل: مَن عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. فعن حذيفة بن اليمان t أنه رأى رجلاً يصلي، وقد طفف الصلاة، فقال له حذيفة:«منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاماً قال: ما صليتَ منذ أربعين سنة، ولو مُتَّ _ وأنت تصلي هذه الصلاة _ لمتَّ على غير فطرة محمد r»([32]).

صيانة العلم من الابتذال

إنه من السهل أن يتعلم الشخص العلوم المتنوعة لكن من الصعب عليه أن يضع العلم الذي يحمله في المكان اللائق به، ويصونه من الترزق به، والتردد على أبواب السلاطين لكسب وُدِّهم عن طريق تبرير تصرفاتهم، ومن مقتضيات العلم أن يصحح به المسار إذا انحرف عن الطريق لا أن يبرر به الفساد، قال حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله r يقول: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، أولتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار»([33]).

قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي (392هـ)

صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه.

يقولونَ لِي فيكَ انقباضٌ وإنَّما … رَأوْا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحجما

أرى الناسَ مَنْ داناهُم هانَ عندَهُمْ … وَمَنْ أكْرَمَتْهُ عزةُ النفسِ أكْرِما

وَلَمْ أقْضِ حَقَّ العِلْمِ إنْ كانَ كُلَّما … بدا طمعٌ صَيَّرْتُهُ لِيَ سُلَّما

إذا قيلَ : هذا مَوْرِدٌ ، قُلْتُ : قَدْ أرِى … وَلكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما

وَلَمْ أبْتَذِلْ في خِدْمَةِ العلمِ مُهجَتِي … لأخْدِمَ مَنْ لاقيتُ ، لكنْ لأُخْدَما

أأشقَى بِهِ غَرْساً ، وَأجنيهِ ذِلَّةً ؟ ! … إذاً ، فاتِّباعُ الجَهْلِ قَدْ كانَ أحْزَما

وَلوْ أنَّ أهْلَ العِلمِ صانُوهُ صانهُمْ … وَلَوْ عظَّموه في النفوس لَعُظِّما

ولكن أهانوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا … مُحَيَّاه بالأطماعِ حتى تَجَهَّما

المقدمة الرابعة: تبليغ العلم والدعوة إليه.

ثم تأتي مرحلة تبليغ العلم للناس، وقد أوجب الله على من علم شيئا من العلم أن يُبلِّغه إلى من لا يعلمه، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في تبليغهم العلم للآخرين قال تعالى: ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) وففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال النبي r: (بلغوا عني ولو آية).

قلنا إن ذلك واجب لأن العلم لا يجوز كتمانه عن الآخرين، فالله أخذ العهود على بني إسرائيل أن يبلغوا العلم، ويبينونه للناس كافة قال تعالى: ( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) وإذا كان ذلك في بني إسرائيل الذين كانت تسوسهم الأنبياء فكيف بأمة محمد الذي لا نبي بعده، ويزاد الإثم إذا منع العلم ممن طلبه، ومن أقدم على ذلك ألجم بلجام من النار كما ثبت ذلك عن المعصوم، فقد قال النبي r «ومن سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»([34]).

وأقل أحوال تعليم العلم وتدريسه إن لم يكن فرض عين، فهو فرض كفاية إذا وجد من يقوم به ويتحقق به الغرض، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القيام بفروض الكفايات أفضل من القيام بفرض العين قال إمام الحرمين: في غياث الأمم « فرض الكفاية أفضل من فرض العين من حيث أن فاعله يسد مسد الأمة، ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه »([35]).

 ولهذا جرت العادةُ من قديم الزمان عند علماء المسلمين أن يجلسوا في المساجد لتدريس العلم وتعليمه مجاناً، ومن دون مقابل، وكلما كثر عدد الطلبة ازداد فرح الشيخ بهم، فيقوم الشيخ بمفرده بتلبية رغبات كل مجموعة دون ملل، فالشيخ بمفرده يقوم بما تقوم به الجامعة، فيقوم بتدريس كل العلوم الشرعية من علوم الآلة، وفقه، وأصول، وتفسير، وحديث.

 وقد بلغ بهم الإخلاص في تعليم العلم أن الشيخ لا يعرف أسماء من يتلقون عنه العلم، بل يأتون إليه دون استئذان منه، ويتركونه متى شاءوا دون استئذان منه، وهذه العادة تكاد تنقرض شيئاً، فشيئاً بسبب انتشار الجامعات الإسلامية الأهلية، فانتقل الطلاب من المسجد إلى الجامعات، والجامعة لا تستطيع القيام بمهام الشيخ في المسجد، يعلم ذلك كل من مارس الطريقتين.

فأهل العلم الشرعي في حلقات المسجد همهم الأكبر تعليم الناس كافةً بعلوم الشرع غير آبهين بالأذى الذي يلقونه في سبيل ذلك، فهم كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين، يحتسبون الأجر عند الله في ذلك، فهم متميزون عن البقية بالعلم الذي خصهم الله به قال تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ الزمر: 9]. قال ابن حزم

منايَ من الدنيا علومٌ أبثها …. وأنشرُها في كل بادٍ وحاضرِ

دعاءٌ إلى القرآنِ والسننِ التي … تناسى رجالٌ ذكرَها في المحافل

وليحذر العالم من مداخل الشيطان على نفسه في العلم لأن الشخص إذا اشتهر بالعلم أقبل الناس عليه من كل حدب وصوب، ومن لوازم ذلك كثرة الثناء عليه، وقد يجاوزون به الحد المسموح به شرعاً، والخطورة في هذا تكمن أن العالم قد يظن بنفسه ما ليس فيه، فيصاب بآفة العجب والغرور، فلا بد أن يكثر من مراجعة نفسه والاعتراف بالقصور وعدم المعرفة في كثير من أبواب العلم.

أهمية قول ( لا أدري ) لطالب العلم

على العالم أن لا يستنكف من قول لا أدري فيما لا يعلم لأنه ليس من الممكن أن يعلم العالم كل شيء، مهما أوتي من العلم، كيف يكون ذلك، وقد قال الله تعالى لنبيه:{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فكلما ازداد المرء من العلم شيئاً أدرك مقدار جهله عنه، فيزيده ذلك إقبالا عليه، فيكون أكثر طلباً للعلم من أي شخص آخر، فالعلم يرشد إلى العلم، فلا يزال في الاستزادة منه حتى يلقى الله تعالى عليه، وقد أمر الله نبينه محمداً r أن يطلب من ربه زيادة في العلم مع أنه الموحى إليه، فقال الله له: (وقل رب زدني علماً).

ومن آفة العلم أن يظن العالم أنه يعلم كل شيء، فيفتي فيما لا يعلم، فيقع في المحذور في قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حلال لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}.

قال أبو بكر الصديق: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم»([36]).

وقد يظن بعضهم أنه إذا قال فيما لا يعلم: لا أدري أن ذلك عيب عليه، وأن الناس ينتقصونه بذلك، أو يعتقد أنه يصير بذلك بمثابة الجاهل،  فحتى يسلم من كل ذلك في زعمه يفتي في كل شيء عَلِمَه أم جَهِلَه، وتلك هي ا لخسارة بعينها لأنه يشقى بعلمه، والجاهل أفضل منه بمراحل نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود t قال: « أيها الناس من علم شيئا، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل: الله أعلم، فإن من العلم  أن يقول لما لا يعلم، الله أعلم، قال الله عز وجل لنبيه r { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين»([37]).

وفي مقدمة صحيح مسلم قال يحيى بن سعيد الأنصاري للقاسم ( بن محمد بن أبي بكر الصديق) يا أبا محمد: إنه قبيحٌ على مثلك عظيم أن تُسأل عن شيء من أمر هذا الدين، فلا يوجد عندك منه علمٌ، ولا فَرَجٌ أو علمٌ، ولا مخرجٌ، فقال له القاسم: وعمَّ ذاك؟ قال: لأنك ابنُ إمامي هدي: ابن أبي بكر وعمر، قال: يقول له القاسم: أقبحُ من ذاك عند مَن عقَل عن الله أن أقول بغير علم، أو آخذ عن غير ثقة، قال: فسكت، فما أجابه »([38]).

وسئل الشعبي: عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال له أصحابه: قد استحيينا لك مما رأينا منك، فقال: لكني لا استحيي مما لم تستح الملائكة حين قالت: لا علم لنا إلا ما علمتنا »([39]).

قال أهل العلم ينبغي للشيخ أن يُعوِّد طلابَه على كلمة ( لا أدري) ولا يُجيب على كل ما يسألونه حتى يقتدوا به في المستقل، فيكون ذلك دأبهم في الفتوى، ولا يشعر أحد منهم بحرج من استعمال تلك  الكلمة. قال عبد الرحمن بن مهدي: «كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال له: يا أبا عبد الله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألةً، أسألك عنها، قال: سل، فسأله الرجل عن المسألة، فقال: لا أحسنها، قال: فبُهِت الرجلُ كأنه قد جاء إلى مَن يعلم كلَّ شيء، فقال: أيُّ شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم، قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن »([40]).

كان الإمام مالك يكثر في حياته العلمية من قول لا أدري حتى صار مشهوراً بها، ولا يمل من القول بها في كل ما لا يعرفه، وهذا مما يدل على إمامته في الدين وتحريه في إصابة الحق، قال ابن وهب: «لوكتبنا عن مالك: لا أدري لملأنا الألواح»([41]).

([1]) جامع بيان العلم وفضله (1/ 207)

([2] ) صحيح مسلم (2985).

([3]) سنن أبي دواد ( 5/ 505). وابن حبان في صحيحه (1/ 279).

([4] ) صحيح مسلم (2564).

([5]) فيض القدير (2/ 352).

([6]) إعلام الموقعين (3/ 164)

([7]) فتح الباري لابن حجر (1/ 18).

([8]) مسند أحمد (36/ 46) سنن أبي داود (5/ 485) سنن الترمذي (4/ 346). صحيح ابن حبان (1/ 289).

 وحسن الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ( 1/ 203).

([9]) المجموع شرح المهذب (1/ 30).

([10] ) المجموع شرح المهذب (1/ 22)

([11]) الجامع لأخلاق الراوي (1/ 159)

([12]) الرسالة للإمام الشافعي (ص: 19).

([14] )  المجموع شرح المهذب (1/ 35).

([15]) صحيح البخاري ( برقم 118).

([16]) آداب الشافعي “: 24، سير أعلام النبلاء (10/ 11)

([17]) الموافقات (1/ 145)

([18]) جامع بيان العلم (197 ).

([19]) الجامع لأخلاق الراوي ( ص 66).

([20]) سنن أبي داود (5/ 489).

([21]) صحيح البخاري (1/ 34)

([22]) صحيح البخاري (3/ 126)

([23]) المحدث الفاصل (ص: 547)

([24]) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 267)

([25]) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 268).

([26] ) المصدر السابق (2/ 267).

([27] ) صحيح البخاري (5083).

([28]) الموافقات (1/ 89).

([29] ) صحيح البخاري برقم (3267).

([30]) صحيح مسلم برقم ( 1905).

([31]) تفسير ابن كثير (3/ 512).

([32]) سنن النسائي رقم  الحديث (5921 ) وأصله في صحيح البخاري رقم ( 749 )

([33]) صحيح ابن حبان (1/ 287) سنن ابن ماجه برقم (259) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (107).

([34]) رواه أبوداود في سننه (5/ 500) بسند صحيح.

([35] ) وقد نقله عنه النووي في مقدمة المجموعة ولم أجده في الكتاب المشار إليه مع البحث عنه في مظانه.

([36]) مصنف ابن أبي شيبة  (10/ 512) وفضائل القرآن للقاسم بن سلام ( 227). تفسير ابن كثير (1/ 11).

([37])  صحيح البخاري (6/ 124)

([38]) صحيح مسلم (1/ 16).

([39]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 112).

([40]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 117).

([41] ) المصدر السابق ( 117).

 

Halkan Kaso Dagso Darsiga oo Qoraal Ah PDF